محمد متولي الشعراوي

9105

تفسير الشعراوي

أجاملك ، أما { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ } [ مريم : 47 ] أي : بعيداً عنك ليكون دعاءً عن ظَهْر غيب ، وهو أَرْجَى للقبول عند الله . ثم يقول : { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } [ مريم : 47 ] يريد أنْ يُطمئِن عمه إلى أن له منزلة عند الله ، فإذا استغفر له ربه فإنه تعالى سيقبل منه . وحَفياً : من الفعل حَفِيَ يَحْفيَ كرَضِي يرضى ، ويأتي بعده حرف جر يُحدِّد معناها . تقول : حفيٌّ به : أي بالغٍ في إكرامه إكراماً يستوعب متطلبات سعادته ، وقابله بالحفاوة : أي بالإكرام الذي يتناسب مع ما يُحقِّق له السعادة . وهذا أمر نسبيّ يختلف باختلاف الناس ، فمنهم مَنْ تكون الحفاوة به مجرد أنْ تستقبلَه ولو على حصيرة ، وتُقدِّم له ولو كوباً من الشاي ، ومن الناس مَنْ يحتاج إلى الزينات والفُرُش الفاخرة والموائد الفخمة ليشعر بالحفاوة به . ونقول : حَفِيٌّ عنه : أي بالغ في البحث عنه ليعرف أخباره ، وبلغ من ذلك مبلغاً شَقَّ عليه وأضناه ، وبالعامية يقولون : وصلتُ له بعدما حفيتُ ، ومن ذلك قوله تعالى عن الساعة : { يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 187 ] أي : كأنك معنيٌّ بالساعة ، مُغْرم بالبحث عنها ، دائم الكلام في شأنها . إذن : المعنى : { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } [ مريم : 47 ] أي : أن ربي يبالغ في إكرامي إكراماً يُحقِّق سعادتي ، ومن سعادتي أن الله يغفر لك الذنب الكبير الذي تُصِرّ عليه ، وكأنه عليه السلام يُضخِّم أمرينْ : يُضخِّم الذنب الذي وقع فيه عمه ، وهو الكفر بالله ، ويُعظِّم الرب الذي سيستغفر لعمه عنده { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } [ مريم : 47 ] .